لقد تجاوز الذكاء الاصطناعي المؤسسي عتبة جديدة. فكل مؤسسة اليوم تقريبًا تجرّب استخدام المساعدين أو الأدوات المساندة أو برامج وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلة، وغالبًا ما يكون هذا عبر عدة أقسام في الوقت نفسه. ومن الناحية، فهذا المستوى من التبنّي لم يسبق من قبل. أما على أرض الواقع، فالنتائج الفعلية لا تكاد تلاحظ، وخصوصًا مع بدء ظهور حالة من الفوضى الذاتية (بسبب الوكلاء).

الأرقام لا تكذب. تشير أبحاث MIT إلى أن 95% من مشروعات الذكاء الاصطناعي التجريبية في المؤسسات لا تحقق عائدًا على الاستثمار قابلًا للقياس، رغم الإنفاق الكبير والتركيز الإداري. وتُفيد تقارير McKinsey & Company بأنه رغم أن 88% من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي حاليًا، فإن 39% منها فقط من يلاحظ أي تأثير على الأرباح قبل الفوائد والضرائب، وغالبًا ما يكون هذا التأثير أقل من 5%.

صار الذكاء الاصطناعي موجودًا في كل مكان، في حين أن نتائج الأعمال ليست كذلك.

مشهد مألوف: فوضى ذاتية داخل المؤسسة

لننظر إلى سيناريو شائع يتكرر اليوم داخل المؤسسات الكبرى.

تنشر فرق دعم العملاء برامج وكلاء الذكاء الاصطناعي لتسريع حل الحالات، وتعتمد فرق المالية على أدوات المساعدين لتسريع عمليات التسوية، وتستخدم عمليات المبيعات مساعدين لصياغة العروض وتلخيص الحسابات. وكل تطبيق منشور يعمل بكفاءة على المستوى المحلي، فنتيجة لذلك تنخفض أزمنة دورات العمل، وتشعر الفرق بزيادة إنتاجيتها.

لكن عند النظر إلى الصورة عن بُعد، ستجد خللاً ما.

ما تزال الحالات متعطلة في انتظار موافقات المستويات والمراحل اللاحقة، وتظهر الأخطاء عند انتقال البيانات بين الأنظمة، وترتفع التكاليف مع تراكم الاستثناءات، ويجد القادة صعوبة في تفسير سبب عدم ظهور تحسن الإنتاجية على الإنتاج الفعلي أو هوامش الربح أو تجربة العملاء.

لا يوجد "خطأ" في الذكاء الاصطناعي في حد ذاته، بل المشكلة في النظام.

هذه هي الفوضى الذاتية (بسبب الوكلاء): انتشار الذكاء بوتيرة أسرع من تطور البنية والتنسيق والحوكمة.
 

ذكاء في كل مكان، ولا نتائج تُرى في أي مكان

تكمن المشكلة الأساسية في بساطتها المضللة: فالإنتاجية الفردية لا تتحول تلقائيًا إلى إنتاجية على مستوى المؤسسة.

تتفوق أدوات الذكاء الاصطناعي تفوقًا كبيرًا في تسريع المهام الفردية مثل الكتابة والتلخيص والبحث والتصنيف. إلا أن معظم القيمة المؤسسية تتولد من خلال العمليات، لا المهام. فإذا ظلت هذه العمليات مجزأة، فإن تسريع العمل يؤدي فقط إلى الوصول إلى نقطة الاختناق التالية بشكل أسرع.

ولا شيء أوضح دلالة على ذلك من صعود المساعدين (Copilots). فوفقًا لشركة Menlo Ventures، يذهب 86% من إنفاق المؤسسات على المساعدين العامّين للذكاء الاصطناعي إلى أدوات من نوع المساعد الشخصي التي تركز أساسًا على إنتاجية الفرد، لا التنفيذ الشامل من البداية إلى النهاية.

والنتيجة متوقعة: تجمعات من الذكاء لا يتضاعف تأثيرها. فإنجاز خطوة بشكل أسرع داخل عملية منقطعة لا يصلح تلك العملية، بل يكشف حدودها بشكل أسرع فحسب.

الفجوة بين التوقعات والواقع

كانت للمؤسسات عند اعتمادها الذكاء الاصطناعي توقعات طموحة:

  • مسارات عمل مستقلة من البداية إلى النهاية
  • مكاسب قابلة للقياس في التكلفة والإنتاجية
  • اتخاذ قرارات أسرع عبر الأنظمة المختلفة
  • تأثير واسع النطاق، لا مجرد نجاحات منعزلة

لكن ما تواجهه كثير من المؤسسات فعليًا يبدو مختلفًا تمامًا:

  • مساعدون منفصلون مدمجون في تطبيقات معزولة
  • مكاسب مجزأة لا تتراكم
  • سلوك غير متسق أو صعب التنبؤ به لبرامج الوكلاء
  • انتشار سريع التنامي لأدوات الذكاء الاصطناعي غير مصرح به

تشهد فجوة الحوكمة اتساعًا سريعًا. فقد وجدت دراسة أجرتها Varonis أن 98% من المؤسسات لديها موظفون يستخدمون تطبيقات غير مصرح بها، بما في ذلك أدوات الذكاء الاصطناعي، وغالبًا دون رؤية أو ضوابط من تكنولوجيا المعلومات. وعند هذه النقطة، يتزايد التعقيد بوتيرة أسرع من زيادة القيمة.

لماذا تنهار الموثوقية قبل التوسع

حتى المؤسسات التي تتجاوز مرحلة المشروعات التجريبية سرعان ما تواجه عائقًا ثانيًا: الموثوقية.

برامج وكلاء الذكاء الاصطناعي عبارة عن أنظمة احتمالية، فهي تقدم نتائج عالية الترجيح، لكنها ليست مضمونة الصحة. وقد يكون الأداء غير متسق، فينجح في حالة ويفشل في أخرى قريبة منها، حتى ولو بدت المهمتان متماثلتان. وقد وصف البعض هذا النمط أحيانًا بلفظ "الذكاء المتعرج".

يمكن تقبُّل هذا التفاوت في الاستخدام من جانب المستهلك؛ أما في مسارات العمل المؤسسية، فلا. فعندما تتولى برامج الوكلاء تصنيف الطلبات أو توجيه العمل أو استخراج البيانات أو إطلاق المعاملات، فإن خطأً واحدًا قد يؤدي إلى آثار تشغيلية أو مالية، خاصة عند ربط برامج الوكلاء هذه بعضها ببعض.

مشكلة متتالية الأخطاء

في العمليات متعددة الخطوات تتضاعف الأخطاء. فإذا كانت كل مهمة ضمن مسار مكون من عشر خطوات تعمل بدقة متفائلة تبلغ 80%، فإن الدقة الإجمالية لا تظل عند 80%، بل تنهار. فمع كل انتقال، لا يكون إجمالي الاحتمالات حاصل جمعها، بل حاصل ضربها. والنظام الذي يبدو قويًا على مستوى كل خطوة يصبح هشًا عند النظر إليه ككل.

لهذا السبب تنجح العديد من عمليات نشر الذكاء الاصطناعي في العروض التجريبية، لكنها تتعثر في بيئات الإنتاج الفعلية. ولا تكمن المشكلة في عدم كفاية النماذج، بل في مطالبة المكونات الاحتمالية بالتصرف كأنها أنظمة حتمية. واختيار هذا التوقع في التصميم يضمن خيبة الأمل من الناحية الحسابية.

الدرس الأول: المزيد من الذكاء الاصطناعي ≠ المزيد من النتائج

الدرس الأول الذي ينبغي أن تعيه المؤسسات أن تبنّي الذكاء الاصطناعي وحده لا يخلق قيمة.

النتائج تحققها العليات. فإذا لم يُدمج الذكاء بشكل مدروس داخل مسار عمل متكامل من البداية إلى النهاية، فلن يؤثر في مؤشرات القياس التي تهم فعليًا.

والمؤسسات التي تحقق تأثيرًا حقيقيًا تبدأ من نقطة مختلفة. فهي تبدأ بنتيجة أعمال محددة، ثم ترسم كامل العملية التي تنتجها، وبعد ذلك تطبق تنسيق الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسة للربط بين الأنظمة ومسارات العمل والقرارات من البداية إلى النهاية. وهنا يتحول التركيز من تحسين مهام منفردة إلى تحسين النظام بالكامل.

وعندها فقط تبدأ الإنتاجية في الوصول إلى الحد الذي لا ينبغي أن تقل عنه.

الدرس الثاني: الموثوقية تستلزم تصميمًا للنظام بالكامل

لا تنشر المؤسسات عالية الأداء برامج وكلاء الذكاء الاصطناعي دون قيود وتنتظر أفضل النتائج، بل تصمم أنظمة تدمج بين أنماط تنفيذ مختلفة:

  • يتولى الذكاء الاصطناعي التقدير والتحليل والقابلية للتكيف
  • تضمن الإجراءات الحتمية الدقة والقابلية للتكرار
  • يربط سياق الأعمال القرارات بالقيود الواقعية
  • يتدخل البشر فقط عندما يضيف التقدر البشري قيمة حقيقية

لا يهدف هذا إلى تقييد الذكاء الاصطناعي، بل بتطبيقه في المجالات التي يتفوق فيها.

عندما يتحقق التوازن بين الاستقلالية والبنية، تتوقف الأخطاء عن التضاعف، وتتحسن الموثوقية ليس لأن النماذج أصبحت أذكى، بل لأن النظام هو ما أصبح أذكى.

الدرس الثالث: الحوكمة ليست اختيارية

يبدأ الدرس الأخير يتضح الآن، وهو الأخطر إذا تم تجاهله. يتوسع تبنّي الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من الحوكمة. فالمؤسسات تدير بالفعل مئات التطبيقات، وكثير منها غير مترابط ببعضه. والآن، يكثر تزويد هذه التطبيقات ببرامج وكلاء مدمجة، علاوة على إضافة الموظفين أدواتهم الخاصة من تلقاء أنفسهم.

ينتج عن ذلك انتشار واسع لما يُعرف بالذكاء الاصطناعي الموازي. وعلى عكس البرمجيات السلبية، تتخذ برامج الوكلاء إجراءات فعلية؛ فهي تنقل البيانات، وتطلق مسارات العمل، وتستهلك الموارد بشكل مستمر. ودون رؤية وضوابط مركزية واضحة، تتنامى المخاطر بصمت إلى أن تظهر مشكلة تفرض الانتباه إليها.

قد تثير كثرة البرمجيات الفوضى.

أما كثرة برامج الوكلاء الذاتية، فهي خطر تشغيلي حقيقي.

الاختيار بين التصميم المدروس والفوضى العرضية

الفوضى الذاتية ليست حتمية، بل هي نتيجة انتشار الذكاء دون تصميم لكامل النظام أو تنسيق أو حوكمة.

يجمع بين المؤسسات التي تحول طموحات الذكاء الاصطناعي إلى نتائج مستدامة نهجٌ مشترك. هذا النهج هو أنها تتعامل بوعي مع مواضع ظهور الذكاء، ومع كيفية ربط الأنظمة، ومع كيفية حوكمة الاستقلالية.

وفي مشهد الذكاء الاصطناعي المزدحم وسريع التغيُّر، لا يُعد التركيز على النتائج والتصميم القوي قيودًا، بل ميزة حقيقية.

إما أن تبني منظومة ذكاء اصطناعي موحدة وموثوقة بشكل مدروس، وإما أن تترك برامج الوكلاء المتفرقة تتراكم، ثم تحاول معالجة الفوضى لاحقًا. أي أن هناك قرار يُتخذ بالفعل، سواء بوعي أو دون وعي منك.

ألقِ نظرة أقرب على كيفية انتقال المؤسسات الرائدة من الفوضى الذاتية إلى النتائج القابلة للقياس من خلال الأنظمة المنسقة والخاضعة للحوكمة.

الأسئلة الشائعة

ما المقصود بالفوضى الذاتية (بسبب الوكلاء) في السياق المؤسسي؟

الفوضى الذاتية هي الحالة التي تنشأ عند نشر برامج وكلاء الذكاء الاصطناعي داخل مؤسسة ما دون تنسيق أو مسارات عمل مشتركة أو حوكمة. فقد تعمل هذه البرامج بكفاءة كل على حدة؛ لكنها على مستوى النظام تؤدي إلى التجزؤ، ما يبطئ تحقيق النتائج بدلًا من تحسينها.

ما الفرق بين الفوضى الذاتية وبرامج الوكلاء الفوضوية؟

يشير مصطلح "برامج الوكلاء الفوضوية" إلى أن برامج وكلاء الذكاء الاصطناعي -كل منها على حدة- غير موثوقة أو سيئة الأداء. أما الفوضى الذاتية -في الواقع- فهي مشكلة على مستوى النظام. فحتى برامج الوكلاء التي تعمل بكفاءة يمكن أن تقدم نتائج ضعيفة إذا عملت دون تنسيق أو مسارات عمل مشتركة أو حدود واضحة لاتخاذ القرار.

لماذا يفشل تبنّي الذكاء الاصطناعي في تحقيق عائد على الاستثمار قابل للقياس؟

تركز معظم عمليات نشر الذكاء الاصطناعي على تحسين المهام كل على حدة، مثل الكتابة والتلخيص والتصنيف، بدلًا من العمليات الشاملة من البداية إلى النهاية. ودون ربط هذه التحسينات على مستوى مختلف الأنظمة ومسارات العمل، تظل المكاسب منعزلة ولا تتحول إلى نتائج أعمال حقيقية.

ما الذي يسبب متتالية الأخطاء في مسارات العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي؟

تحدث متتالية الأخطاء عندما تتضاعف أخطاء صغيرة عبر العمليات متعددة الخطوات. وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي احتمالية بطبيعتها، فإن كل خطوة تضيف قدرًا من عدم اليقين. وعند الربط بين تلك الخطوات دون ضوابط، سريعًا ما تنخفض الموثوقية الإجمالية.

كيف يؤثر "الذكاء المتعرج" على موثوقية برامج وكلاء الذكاء الاصطناعي؟

يشير الذكاء المتعرج إلى التفاوت في أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ قد تنجح في سيناريو ما وتفشل في آخر مشابه له جدًا. وفي مسارات العمل المؤسسية، يجعل هذا التباين برامج الوكلاء غير موثوقة ما لم تُستخدم ضمن أطر ومنصات مصممة خصيصًا لها.

تابع آخر المستجدات:

Subscribe الاشتراك في المدونة
user image

بيتر وايت

بيتر وايت هو نائب الرئيس الأول للمنتجات الناشئة لدى Automation Anywhere.

مقالات ذات صلة

منشورات المؤلف الأخيرة

تجربة Automation Anywhere
Close

للأعمال

تسجيل الاشتراك للحصول على وصول سريع إلى العرض التوضيحي الكامل والمخصص للمنتج

للطلاب والمطورين

ابدأ التشغيل الآلي على الفور بفضل الوصول المجاني إلى التشغيل الآلي الكامل الميزات من خلال Community Edition على السحابة.