لا يكاد أحد منا يذهب إلى أي مكان إلا ويسمع عن الذكاء الاصطناعي. ولا ينبغي أن يكون ذلك مفاجئًا. ففي المراحل الأولى لأي ثورة تقنية، نشهد انفجارًا في الأفكار، لكننا نشهد أيضًا قدرًا كبيرًا من الضجيج.

رغم كل الحماس المحيط ببرامج وكلاء الذكاء الاصطناعي والأتمتة والاستقلالية، تظل هناك مشكلة أعمق: حل مفارقة الذكاء الاصطناعي. فكثير منا يستخدم الذكاء الاصطناعي في عمله اليومي، ويرى مدى سرعته وذكائه. لكن إذا كان الذكاء الاصطناعي بهذه الدرجة من الذكاء، فلماذا لم ننجح بعد في تحويل عدد أكبر من العمليات المؤسسية وتحقيق عائد استثماري أكثر تأثيرًا؟ ما العنصر المفقود؟

أولًا، نحتاج إلى السياق. ففي المؤسسات، لا يتعلق الذكاء الاصطناعي بفهم الذكاء المجرّد، بل ببناء ذكاء سياقي يستند إلى بياناتك وواقع أعمالك. فالعالِم المتخصص في الفيزياء النووية لا يعرف بالضرورة كيفية معالجة مطالبة تأمينية. وفي عالم الأعمال، إذا تراكمت الأخطاء ضمن عمليات متعددة الخطوات، فقد تنهار العملية بالكامل.

ثانيًا، تعاني المؤسسات غالبًا من التشتت ووجود جزر معزولة من الأنظمة والبيانات، ويزيد الذكاء الاصطناعي من تفاقم هذه المشكلة. فعند استخدام الذكاء الاصطناعي داخل بيئات معزولة، يقتصر دوره على إنجاز المهام فقط، وهذه المهام لا تتحول دائمًا إلى نتائج أعمال ملموسة مثل زيادة الإيرادات أو خفض التكاليف أو إدارة المخاطر. أما العمليات الحيوية للأعمال فيحتاج تحريكها تنسيقًا متكاملًا على مستوى الأفراد والفرق والأنظمة وبرامج الوكلاء.

ثالثًا، يمثل غياب الحوكمة والقابلية للرصد أحد أبرز العوائق أمام توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي بما يتجاوز المشروعات التجريبية. فنحن بحاجة إلى هذين العنصرين لضمان عمل كل شيء بصورة أفضل وأكثر أمانًا.

إذًا، كيف يمكننا حل مفارقة الذكاء الاصطناعي؟ وما الاستراتيجية المناسبة للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات؟

تعتمد معظم المؤسسات بالفعل على المساعدات الذكية (Co-pilots). وقد اندفعنا جميعًا لاستخدامها لأننا أردنا تحقيق قيمة سريعة. وهي تؤدي عملًا جيدًا في التعامل مع رسائل البريد الإلكتروني والوثائق. لكنها لا تحل مفارقة الإنتاجية المؤسسية. وإضافة إلى ذلك، تبيع كثير من شركات أنظمة السجلات (SOR) برامج وكلاء ذكاء اصطناعي ضمن حلولها الخاصة. وهذه الأنظمة (SORs) تتمتع بخبرة قوية في مجالاتها، إلى جانب الأمن والحوكمة، ولذلك تدرك جاذبية هذه الفكرة. لكن الواقع أن شركات أنظمة السجلات لن تضحي بالإيرادات الناتجة عن نماذج أعمالها التقليدية. فما تزال حوافزها قائمة على النموذج القديم للبرمجيات كخدمة (SaaS): الحفاظ على نموذج التراخيص المعتمد على عدد المستخدمين، مع فرض رسوم إضافية مقابل استخدام التقنيات الجديدة. وكثيرًا ما نسمع من مزودي البرمجيات كخدمة أن إيراداتهم سترتفع بشكل كبير بفضل الذكاء الاصطناعي، لكن كيف يمكن أن يحدث ذلك في حين أن ما يصل إلى 80% من أعباء العمل لديها يمكن أتمتته بالكامل؟

هناك أيضًا عدد كبير من الحلول المتخصصة والشركات الناشئة القائمة على الذكاء الاصطناعي. لكنها تفتقر إلى التقنيات المؤسسية القادرة على حل هذه المفارقة. فمجموعة من المساعِدات الذكية وبرامج الوكلاء والحلول المنفصلة لا تمثل استراتيجية حقيقية.

إذا لم تكن أي من هذه الخيارات قادرة على تسخير الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي، فما الذي ينقصنا إذًا؟

رؤية المؤسسة المستقلة

نحن نؤمن بأن المؤسسة المستقلة تمثل استراتيجية الذكاء الاصطناعي المستقبلية للمؤسسات.

ماذا تعني المؤسسة المستقلة؟

  • هي مؤسسة تعتمد على الذكاء الاصطناعي أولًا، حيث يُنفَّذ ما يصل إلى 80% من الأعمال بصورة مستقلة أو بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
  • تتولى الأتمتة الذاتية تنسيق العمل عبر التطبيقات المختلفة، ما يقلل الحاجة إلى المزيد من تراخيص البرمجيات.
  • من المهم التأكيد على أن المؤسسة الذاتية التشغيل لا تعني تقليص أعداد الموظفين، بل تعني تمكين كل موظف من تحقيق إنتاجية أعلى بصورة جوهرية. وليس ذلك مجرد زيادة تتراوح بين 10% و20%، بل مضاعفة الإنتاجية إلى ثلاثة أضعاف.

منذ أن أعلنت Automation Anywhere عن مفهوم المؤسسة المستقلة قبل عامين، بدأ المنافسون في طرح مفاهيم مشابهة تحت مسميات مثل "المؤسسة الذاتية" أو "الأعمال الذاتية". بل إن بعضهم يستخدم المصطلح نفسه، "المؤسسة المستقلة"، الذي كنا سبّاقين إلى تقديمه. لكن يجب عدم الخلط هنا: فما يقدمه الآخرون لا يطابق رؤية Automation Anywhere.

أمضت Automation Anywhere أكثر من 20 عامًا في بناء نموذج المؤسسة المستقلة، ويعمل عملاؤنا بالفعل على أتمتة ما يصل إلى 80% من العمليات على مستوى الأنظمة والبيانات المختلفة، مع تحقيق تعاون بين برامج وكلاء الذكاء الاصطناعي والعاملين البشر، والوصول إلى مستويات أعلى من الدقة والمساءلة والعائد على الاستثمار.

وهذا هو المسار الذي سلكناه، وهو أيضًا الوجهة التي نتجه إليها.

بناء الأساس للمؤسسة المستقلة

قبل عامين، أطلقت Automation Anywhere منصة الأتمتة الذاتية للعمليات (APA) لمساعدة المؤسسات التي غمرها الضجيج المحيط بالذكاء الاصطناعي وكانت تتطلع إلى تحقيق الوعود الفعلية لهذه التقنية. وتبع ذلك إطلاق أول محرك من نوعه في القطاع وهو محرك تحليل العمليات (PRE)، وهو العقل الذكي الذي يشغّل عمليات الأتمتة والمدرَّب على أكثر من 420 مليون نقطة بيانات مؤسسية. وقد لبّينا احتياجات مستخدمي الأعمال من خلال حلولنا الذاتية المؤسسية، التي طُوّر أحدثها بالتعاون مع OpenAI، لتوفير برامج وكلاء ذكاء اصطناعي موجهة وخاضعة للحوكمة لتنفيذ عمليات الأعمال عالية التأثير.

وخلال مؤتمر Imagine 2026 هذا العام، كشفنا عن مجموعة من الإعلانات المهمة لتسريع تحقيق رؤية المؤسسة المستقلة.

أولها المنصة المحدَّثة للأتمتة الذاتية للعمليات. تُعد أداة التنسيق المتناغم لدينا الأفضل في فئتها في تنسيق العمل بين برامج الوكلاء والأفراد وعمليات الأتمتة عبر مختلف التطبيقات والمنصات. وتعالج النسخة الأحدث تحديات أكثر العمليات تعقيدًا التي تؤدي أهم الأعمال عبر أنظمة متعددة، بينما يتولى محرك تحليل العمليات معالجة مشكلة الدقة من خلال ذكاء سياقي يحقق دقة تقترب من 100%. كما توفر طبقة نسيج الذكاء الاصطناعي المسؤول إمكانات الحوكمة والقابلية للرصد عبر جميع برامج وكلاء الذكاء الاصطناعي، بغض النظر عن الجهة الموردة لها.

أما الإعلان الثاني فكان عن النسخة المحسنة من حل الإدارة المستقلة لخدمات تكنولوجيا المعلومات (ITSM). ويضم هذا الحل مكتبة من برامج الوكلاء الجاهزة مسبقًا للتعامل مع أنواع أكثر تعقيدًا من التذاكر، إلى جانب إمكانات اتصال بآلاف التطبيقات الإضافية لتوفير تجربة استخدام سلسة. ونؤكد التزامنا بمساعدة قادة تكنولوجيا المعلومات على إعادة تشكيل اقتصاديات خدمات تكنولوجيا المعلومات في عصر الذكاء الاصطناعي، من خلال خفض الإنفاق على البرمجيات كخدمة وتحقيق نتائج أكثر استقلالية.

شمل الإعلان الثالث إطلاق نسخة مطورة من الحلول الذاتية للشركة. فقد جرى تعزيز الحلول الذاتية السبعة الحالية بمستويات أعلى من الاستقلالية، مع إضافة حلَّين جديدين هما "تكنولوجيا المعلومات المستقلة" و"المالية الذاتية". وقد طُوّرت هذه الحلول بالشراكة مع مديري تكنولوجيا المعلومات والمديرين الماليين بهدف أتمتة أقسام كاملة داخل المؤسسة. فعلى سبيل المثال، بُني حل تكنولوجيا المعلومات الذاتية على منصة الأتمتة الذاتية للعمليات، ويُستخدم بالفعل داخل Automation Anywhere نفسها بصفتها "العميل صفر"، كما جرى إنشاؤه بالتعاون مع عملاء متقدمين لتحقيق نتائج في العمليات الشاملة لتكنولوجيا المعلومات الأكثر أهمية.

أما الإعلان الرابع فكان عن إطلاق Automation Anywhere Code. فبينما تُعد أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي (Vibe Coding) مفيدة، ظلت هناك تحديات تتعلق بإنتاج تطبيقات جاهزة للاستخدام المؤسسي من حيث السياق والأمان والحوكمة. ويتيح Automation Anywhere Code للمطورين بناء واختبار ونشر تطبيقات مؤسسية وواجهات مستخدم وعمليات وبرامج وكلاء وسياقات وطبقات أمان وغير ذلك، خلال فترة قد لا تتجاوز أسبوعًا واحدًا.

أما الإعلان الأخير فكان ذا طابع خاص، وهو إطلاق EnterpriseClaw. فكثير منا سمع عن برامج وكلاء OpenClaw، القادرة على التفكير واتخاذ القرار والتنفيذ بصورة مستقلة. والإمكانات التي تقدمها هذه البرامج حقيقية، لكن المشكلة حقيقية كذلك. فما يجعل هذه البرامج الشبيهة بـOpenClaw قوية على مستوى الإنتاجية الشخصية هو نفسه ما يجعلها خطرة داخل المؤسسات. فداخل المؤسسة، توجد أكثر البيانات أهمية في بيئات آمنة لم تُصمم أصلًا للسماح لبرامج الوكلاء بالعمل بحرية كاملة.

لهذا السبب طوّرنا EnterpriseClaw، التي تجمع بين التقنيات المؤسسية المتقدمة وقدرات برامج الوكلاء الشبيهة بـ OpenClaw. وقد ترى شركات أخرى تحاول تقليد هذا التوجه، لكن ما يميز EnterpriseClaw من Automation Anywhere مختلف، إذ إننا ننسّق العمليات ومسارات العمل ونخضعها للحوكمة كاملة، وليس مجرد المهام الذاتية المنفصلة. وننفذ ذلك بالمستوى المطلوب من الدقة للعمليات ذات الأهمية الحيوية للأعمال.

لحسن الحظ، لم نبنِ EnterpriseClaw بمفردنا، بل بالتعاون مع مجموعة من أبرز شركاء التكنولوجيا المؤسسية عالميًا، ممن يدركون معنى الحلول المؤسسية حقًا، وهم: Cisco وNVIDIA وOkta وOpenAI.

تتولى Cisco مهام مراقبة الأمان واكتشاف التهديدات المرتبطة بأنشطة برامج الوكلاء، بينما توفر NVIDIA البنية التحتية الحاسوبية والتنفيذ الآمن في البيئات المحلية والطرفية. أما Okta فتدير الهوية وصلاحيات الوصول الخاصة بتفاعلات برامج الوكلاء مع الأنظمة، في حين تقدم OpenAI أحدث قدرات النماذج الذكية.

الفائزون لن يكتفوا بالانتظار

لم تعد المؤسسة المستقلة مجرد رؤية مستقبلية بعيدة، بل بدأت تتشكل بالفعل على أرض الواقع. فالمؤسسات التي ستحتل الريادة في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون تلك التي تكتفي بالتجارب الهامشية أو التي تنتظر النضوج التكنولوجي الكامل، بل تلك التي تفكر على نطاق أوسع، وتتحرك مبكرًا، وتلتزم بإحداث تحول شامل على مستوى المؤسسة بأكملها.

لا تكمن الفرصة الحقيقية في تحسين أساليب العمل التقليدية بإضافة بعض الأدوات الجديدة، وإنما في إعادة تصور جذري لطريقة إنجاز العمل. وإذا لم تتح لك فرصة حضور مؤتمر Imagine 2026، يمكنك مشاهدة الكلمة الرئيسية واستكشاف الجلسات المتخصصة التي شارك فيها عملاء وشركاء بدأوا بالفعل التحرك نحو هذه الرؤية الطموحة، مثل Citi وNHS وAccenture وCisco وVF Corporation وAramark وKeyBank وThrivent Financial وPetrobras، وغيرهم الكثير.

إن الوقت المناسب للبدء هو الآن. وعلى القادة أن يتحلوا بالجرأة الكافية لتجاوز مرحلة المشروعات التجريبية، وامتلاك الطموح الكافي لإعادة التفكير في نموذج تشغيل المؤسسة، والمبادرة مبكرًا بما يمكّنهم من الإسهام في تشكيل الملامح التي ستصبح عليها المؤسسة المستقلة.

تابع آخر المستجدات:

Subscribe الاشتراك في المدونة
user image

Mihir Shukla

كان المدير التنفيذي ميهير شوكلا رائدًا في مجال قوة العمل الرقمية، بصفته دائم السعي وصاحب رؤية في فئة تقنية RPA. يساعد على تحقيق الإنتاجية وخفض التكاليف بطريقة غير مسبوقة لأكبر الشركات في العالم وساعد Automation Anywhere في الوصول إلى مكانتها كشركة رائدة عالمية.

مقالات ذات صلة

منشورات المؤلف الأخيرة

تجربة Automation Anywhere
Close

للأعمال

تسجيل الاشتراك للحصول على وصول سريع إلى العرض التوضيحي الكامل والمخصص للمنتج

للطلاب والمطورين

ابدأ التشغيل الآلي على الفور بفضل الوصول المجاني إلى التشغيل الآلي الكامل الميزات من خلال Community Edition على السحابة.