Blog

تخطّى الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين مرحلة الوعود إلى مرحلة النتائج الملموسة. فأصبح الذكاء الاصطناعي يُستخدم فعليًا في بيئات الإنتاج على مستوى عمليات الاكتتاب التأميني ومعالجة المطالبات والكشف عن الاحتيال الاحتيال وخدمة العملاء، وهو ما نجحت فيه نماذج الذكاء الاصطناعي. فصارت درجات تقييم المخاطر أدق، وصار الكشف عن إشارات الاحتيال أسرع، وأصبحت مراجعة الوثائق التي كانت تستغرق ساعات تُنجز خلال ثوانٍ. ولم يعد السؤال في عام 2026 هو ما إذا كانت تقنيات الذكاء الاصطناعي تحقق قيمة فعلية أم لا؛ بل لماذا لا يزال عدد محدود جدًا من شركات التأمين هو من يعتمدها كنظام تشغيلي أساسي يمكّنها من الحفاظ على قدرتها التنافسية في السوق.

الإجابة هي: التنفيذ. فبعد تقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي مطالبة ما، أو رصدها حالةً شاذة، أو استخراج بيانات عميل ما من سجل طبي، يبقى هناك شيء ينبغي التصرف بموجبه استنادًا إلى هذه النتائج عبر أنظمة قديمة منفصلة وغير مترابطة. وهنا -حيث ينبغي الانتقال من قرار صادر عن الذكاء الاصطناعي إلى عملية أعمال مكتملة- تتعثر معظم مبادرات الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين.

يتناول هذا المقال الأسباب التي تجعل العوائق الهيكلية التي تمنع توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي مختلفة عما يصفه معظم المورّدين، ويوضح كيف توفر مسارات عمل الذكاء الاصطناعي الذاتي لشركات التأمين مسارًا عمليًا للانتقال من المشروعات التجريبية المعزولة إلى عمليات تشغيلية على مستوى المؤسسة بأكملها، دون الحاجة إلى استبدال التقنيات الحالية التي استثمرت المؤسسات عقودًا في بنائها.

واقع تبنّي الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين

تشير أرقام تبنّي الذكاء الاصطناعي إلى أن الغالبية العظمى من شركات التأمين ستستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في وظيفة أساسية واحدة على الأقل بحلول عام 2026. ومع ذلك، فلا يصل إلى مرحلة الإنتاج الفعلي سوى ثلثي البرامج التجريبية تقريبًا، بينما لا ينجح في توسيع نطاق هذه المبادرات على مستوى المؤسسة بأكملهاسوى نسبة 7% من شركات التأمين. وتقع معظم شركات التأمين في المنطقة الوسطى؛ إذ يُستخدم الذكاء الاصطناعي في الإنتاج في بعض المجالات، لكنه يظل محصورًا وغير مترابط ولا يحقق أثرًا تراكميًا.

وهناك ثلاث مشكلات هيكلية تفسر سبب صعوبة تحقيق العديد من شركات التأمين أقصى قيمة ممكنة من التقنيات الجديدة.

1. طول العمليات والحاجة إلى الاستمرارية

قد تستمر مطالبة تعويض أحد العمال، أو مطالبة تخص خسائر الممتلكات التجارية، أو نزاع حول المسؤولية القانونية لأسابيع تنتقل كل منها فيها بين أقسام أعمال مختلفة. وكما تتطلب هذه العمليات كذلك مدخلات من جهات خارجية، وتُنتج حالات استثنائية لا تستطيع الأنظمة القائمة على القواعد التعامل معها.

في حين يستطيع نموذج تعلُّم الآلة تقييم مستوى الخطورة عند الإخطار الأولي بالمطالبة، فإنه لا يمتلك آلية لتتبُّع المطالبات عبر مراحل إعادة الفحص والمراجعة القانونية والتسوية. فالتحليل -وحده- دون استمرارية لا يؤدي إلى إغلاق المطالبة.

2. تجزؤ البيانات وانخفاض جودتها

غالبًا ما تكون ملاحظات خبراء تسوية المطالبات والسجلات الطبية والملفات القانونية بصيغة PDF، إلى جانب بيانات القياس عن بُعد وصور الأقمار الصناعية، محفوظة في صيغ غير منظمة داخل مستودعات بيانات منفصلة بعضها عن بعض. كذلك لم تُبنَ أنظمة لإدارة وثائق التأمين والمطالبات والفوترة القديمة لحوكمة البيانات أو مشاركة البيانات، ما يعني أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعمل في كثير من الأحيان ببيانات غير مكتملة وقديمة، وأن مخرجاتها لا تُحول إلى أي إجراءات قابلة للتنفيذ. فالجودة العالية للبيانات شرط أساسي لتطبيق الذكاء الاصطناعي بما يحقق نتائج حقيقية.

3. عقبة الأنظمة الأساسية القديمة

لا تؤدي إضافة الذكاء الاصطناعي إلى الأنظمة القديمة دون دمجه عبر طبقة تنفيذ حديثة إلا إلى إضافة خطوة جديدة إلى مسار عمل معيب بدلًا من إصلاحه. فعندما تنتج تقنيات الذكاء الاصطناعي توصيات يتعين على الموظفين تنفيذها يدويًا، تظل مكاسب الكفاءة نظرية وليست عملية.

بدأت شركات التأمين الرائدة التي نجحت في سد هذه الفجوة بالتميز عن منافسيها الذين لم ينجحوا في ذلك. فقد حققت المؤسسات الرائدة في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين عائدًا إجماليًا للمساهمين يزيد بمقدار 6.1 أضعاف على ما حققته المؤسسات المتأخرة خلال السنوات الخمس الماضية.

أهم حالات الاستخدام: كيف يُستخدم الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين اليوم؟

ثمة نمط متكرر في مختلف ممارسات التأمين: فالشركات التي تحقق تقدمًا حقيقيًا هي تلك التي يرتبط فيها استخدام الذكاء الاصطناعي ارتباطًا مباشرًا بالإجراءات التي تنفذها الأنظمة.

أثر الذكاء الاصطناعي حسب الوظيفة التأمينية

الوظيفة التأمينية

تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأساسية

الأثر الرئيسي على الأعمال

الاكتتاب

تعلُّم الآلة ومعالجة اللغة الطبيعية (NLP)

زيادة نمو أقساط التأمين بنسبة تتراوح بين 10% و15% بفضل تسريع اختيار المخاطر.

معالجة المطالبات

الرؤية الحاسوبية

خفض أزمنة دورات العمل بنسبة 60% وتحسين الدقة بنسبة تتراوح بين 3% و5%.

الكشف عن الاحتيال

استخراج الإشارات

اكتشاف الحالات الشاذة آنيًا وزيادة معدلات اكتشاف التزييف العميق (Deepfake) بنسبة 2000%.

خدمة العملاء

برامج وكلاء الذكاء الاصطناعي التوليدي

الانتقال الفوري من عرض السعر إلى إصدار الوثيقة، وتوفير أكثر من 130 ألف ساعة عمل إدارية سنويًا.

أتمتة الاكتتاب التأميني وتقييم المخاطر

يصل طلب التأمين التجاري عادةً على هيئة ملف مقدم من الوسيط يضم ملفات PDF وجداول بيانات ورسائل بريد إلكتروني. ويقضي مسؤول الاكتتاب البشري ساعات في استخراج المعلومات قبل أن يتمكن من تقييم المخاطر. ومرحلة استخراج البيانات هذه هي المساحة التي يُحدث فيها الذكاء الاصطناعي في التأمين أكبر أثر من حيث تقليص الفترات الزمنية وتحقيق ميزة تنافسية.

فنماذج تعلُّم الآلة تستقبل البيانات المنظمة، مثل سجلات الخسائر والبيانات المالية، إلى جانب المدخلات غير المنظمة التي تشمل البيانات الحساسة الواردة من السجلات الطبية وبيانات أجهزة إنترنت الأشياء وبيانات القياس عن بُعد. وينتج عن ذلك درجات تقييم مخاطر تتمتع بدرجة من الاتساق يصعب على أي مسؤول اكتتاب محاكاتها. أيضًا تستخرج معالجة اللغة الطبيعية الحقول ذات الصلة من تقرير طبي مكوّن من 40 صفحة خلال ثوانٍ معدودة، ثم تُغذي عملية الاكتتاب التأميني بهذه البيانات مباشرةً.

أما تأثير ذلك في المراحل اللاحقة، فيتجلى في تقليص الفترة الزمنية بين استلام الطلب وإصدار عرض السعر إلى بضع ساعات فقط، مع المزيد من التقييد لنسب الخسائر. وقد أفادت شركات التأمين التي أعادت تصميم عمليات الاكتتاب لديها بتحقيق زيادة في نمو الإيرادات تتراوح بين 10% و15%، ليس نتيجة قبول مخاطر أكثر، بل نتيجة معالجتها بصورة أسرع وتسعيرها بدرجة أعلى من الدقة.

إحداث تحول جذري في معالجة المطالبات باستخدام الرؤية الحاسوبية

عندما يرسل حامل وثيقة التأمين صورًا للأضرار، يتولّى نموذج للرؤية الحاسوبية تقييم الخسائر وإصدار تقييم منظم للأضرار. وعندما يستوفي هذا التقييم معايير التسوية الروتينية، تتولى طبقة التنسيق توجيه المطالبة عبر المعالجة المباشرة للمعاملات (STP)، ما يتيح تجنب قائمة انتظار خبراء تسوية المطالبات. وأصبحت شركات التأمين تتعامل مع قدر متزايد من المطالبات المتعلقة بالممتلكات بهذه الطريقة.

في حالات أضرار السيارات، يمكن لمجموعة من الصور أن تنتج تقديرات لتكاليف الإصلاح بدقة كافية للموافقة على صرف التعويض. وبذلك يركز خبراء تسوية المطالبات على المطالبات المتنازع عليها أو مرتفعة القيمة بدلًا من الحالات التي يستطيع النموذج إغلاقها خلال دقائق. وتشير بيانات McKinsey إلى تحسن في دقة النتائج بنسبة تتراوح بين 3% و5%، إلى جانب تحسينات في أزمنة دورات العمل، وهو ما يصب مباشرة في الحفاظ على رضا العملاء والاحتفاظ بهم.

الكشف المتقدم عن الاحتيال واستخراج الإشارات

قد تكفي مقارنة المطالبة مع قائمة بالمؤشرات التحذيرية لاكتشاف حالات الاحتيال البسيطة. أما شبكات الاحتيال المنظمة ومخططات الهويات الاصطناعية فتتطلب أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة.

وتستخرج أنظمة الكشف عن الاحتيال الحديثة الإشارات من مصادر البيانات المتعددة في الوقت نفسه، حيث تُطابق بيانات المطالبة مع معلومات وسائل التواصل الاجتماعي والسجلات القضائية وأنماط فوترة مقدمي الخدمات. وتستخدم معالجة اللغة الطبيعية لتحليل ملاحظات خبراء تسوية المطالبات بحثًا عن التناقضات اللغوية، بينما تميّز أدوات الذكاء الاصطناعي البيانات الوصفية (Metadata) للصور التي قد تشير إلى التلاعب.

خدمة العملاء فائقة التخصيص وبرامج وكلاء الذكاء الاصطناعي

يمكن، باستخدام مساعد افتراضي مدعوم بالذكاء الاصطناعي التوليدي، الرد على استفسارات حاملي وثائق التأمين فورًا وبلُغة واضحة ومباشرة. ويتولى الذكاء الاصطناعي التوليدي معالجة طلبات مُلحقات التأمين والاستفسارات المتعلقة بالفوترة واستقبال الإخطار الأولي بالخسارة (FNOL) عبر مختلف القنوات. وتُغلق الطلبات البسيطة دون تدخل بشري، ما يتيح لشركات التأمين الكبرى التوسع دون الحاجة إلى زيادات كبيرة في أعداد موظفي الدعم.

أما على صعيد الأعمال الجديدة، فقد أصبحت مسارات العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على الانتقال فورًا من عرض السعر إلى إصدار الوثيقة في فئات التأمين القياسية، ما يحقق تحسنًا كبيرًا للفوائد المحتملة لقنوات الاكتساب العملاء رقميًا.

دور تعلُّم الآلة ومعالجة اللغة الطبيعية في قطاع التأمين

يمثل تعلُّم الآلة ومعالجة اللغة الطبيعية المحركين التقنيين الرئيسيين وراء معظم مبادرات الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين. ويُعد فهم دور كل منهما نقطة البداية للحفاظ على التفوق التنافسي.

  • يوفر تعلُّم الآلة المحرك التنبؤي للتسعير وإدارة المخاطر. فهو يحلل الشرائح التي تُظهر بياناتها التاريخية أن تسعيرها كان أقل من قيمتها الفعلية. وتحدّث نماذج تعلُّم الآلة أيضًا تقديرات المخصصات التأمينية مع ورود معلومات جديدة عن المطالبات، بما يضمن حفاظ شركات التأمين على استقرارها المالي.
  • تحل معالجة اللغة الطبيعية تحل مشكلة المدخلات، إذ تستخرج "الأسباب" والمعلومات الجوهرية من السجلات الطبية أو ملاحظات خبراء تسوية المطالبات، وتحولها إلى بيانات منظمة.

لا تتضاعف الفوائد إلا عندما ترتبط هاتان الطبقتان بتنفيذ مسارات العمل. ومن الأمثلة على ذلك أن يستخرج نموذج لمعالجة اللغة الطبيعية بيانات أحد الحقول، ثم يقيّنه نموذج لتعلُّم الآلة، ثم يتخذ مسار العمل الإجراء، سواءٌ بتوجيه الحالة إلى الجهة المختصة أو إطلاق عملية تحقق إضافية، دون تدخل بشري في وسط هذه العملية لاتخاذ القرارات الروتينية.

الفوائد الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي في التأمين

تتركز القيمة التي يحققها الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين حول ثلاثة نتائج رئيسية يعزز كل منها الأخرى: خفض التكاليف التشغيلية وتحسين دقة التسعير وتعزيز الاحتفاظ بالعملاء.

الكفاءة التشغيلية وخفض التكاليف

تتضح الجدوى الاقتصادية لكل وحدة بأعلى درجة لها في المطالبات حيث تكون تكلفة كل خطوة من خطوات المعالجة في أعلى مستوياتها، بينما يظل حجم المطالبات كبيرًا. وتؤدي الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى تقليل عدد الموظفين بدوام كامل المطلوبين لمعالجة المطالبات الروتينية، وخفض نفقات تسوية الخسائر، وتوفير قدرة تشغيلية قابلة للتوسع خلال أحداث الكوارث (CAT) دون الحاجة إلى زيادة موازية في أعداد الموظفين.

فكل خطوة تُنفذ دون تدخل يدوي، مثل استقبال الطلبات وأتمتة الوثائق والتحقق من التغطية التأمينية ومعالجة المدفوعات- هي خطوة لا تضيف تكلفة إضافية إلى تكلفة المطالبة الواحدة. وقد أفادت شركات التأمين التي نجحت في أتمتة هذه المراحل من البداية إلى النهاية بتحقيق انخفاض بنسبة 60% في زمن المعالجة، وانخفاض بنسبة 80% في أعمال التدقيق.

تحسين الدقة والتسعير القائم على البيانات

تمثل دقة التسعير مشكلة مرتبطة بنسبة الخسائر قبل أن تكون مشكلة مرتبطة بالإيرادات. فشركة التأمين التي تواصل تسعير الشرائح عالية المخاطر بأقل من قيمتها الفعلية، أو الشرائح منخفضة المخاطر بأعلى من قيمتها الحقيقية، تجد نفسها فيه وجه إما مراكمة الاختيار السلبي للمخاطر أو فقدان أعمال مربحة لصالح المنافسين الذين يتمتعون بقدرات أفضل على نمذجة المخاطر.

ويتيح التقسيم الأكثر تفصيلاً للشرائح المعتمد على تعلُّم الآلة لشركات التأمين تسعير الشرائح منخفضة المخاطر بدقة عند مستويات قد تعتبرها النماذج الاكتوارية التقليدية منخفضة بصورة مبالغ فيها، ما يساعدها على جذب العملاء الذين قد تدفعهم أساليب التسعير العامة إلى المنافسين.

تحسين تجربة العملاء وتعزيز الاحتفاظ بهم

عندما يقدم حامل وثيقة التأمين مطالبة ثم ينتظر ثلاثة أسابيع للحصول على نتيجة، فإنه لا يميز غالبًا بين وجود مشكلة في التغطية ووجود مشكلة في الإجراءات، بل إن التجربة بأكملها هي التي تؤثر في قرار التجديد. أما شركات التأمين التي تعتمد المعالجة المباشرة للمعاملات بمساعدة بالذكاء الاصطناعي، فتتمكن من إغلاق المطالبات الروتينية خلال ساعات بدلًا من أيام.

نجحت شركة Dai-ichi Life في تشغيل 430 عملية مؤتمتة على منصة Automation Anywhere، ما وفر أكثر من 130 ألف ساعة عمل سنويًا، وهي ساعات أُعيد توجيهها من الأعمال الإدارية إلى خدمة حاملي وثائق التأمين.

كما أن الانتقال الفوري من عرض السعر إلى إصدار الوثيقة بالنسبة لفئات التأمين القياسية يمنح العملاء قرارًا في لحظة اهتمامهم بالشراء بدلًا من انتظار معاودة الاتصال، وهو ما يمثل ميزة في معدلات التحويل مع استمرار المنافسين الرقميين في رفع توقعات العملاء فيما يتعلق بالسرعة.

التعامل مع مخاطر تبنّي الذكاء الاصطناعي وتحدياته

يتطلب توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي في قطاع يخضع لتنظيمات صارمة إدراك مواضع الإخفاق المحتملة، ومعرفة شكل الحوكمة المطلوبة عند حدوثها.

ضمان الإشراف البشري على القرارات الحرِجة

يتعامل الذكاء الاصطناعي جيدًا مع الحالات الروتينية. أما حالات رفض التغطية التأمينية، وتقييمات المسؤولية المعقدة، وتسويات المطالبات مرتفعة القيمة، فتنتمي إلى فئة مختلفة، إذ إن أي قرار خاطئ فيها قد يترتب عليه تبعات تنظيمية وقانونية ومؤثرة على السمعة بدرجة كبيرة. ولهذا فدور الذكاء الاصطناعي هنا إعداد القرار، لا اتخاذه.

فعندما يوجّه مسار عمل ذاتي مطالبة معقدة إلى خبير تسوية مطالبات أول، بعد أن يكون قد جمع مسبقًا تفاصيل وثيقة التأمين وتقييم الأضرار ومؤشرات الاحتيال وسجل الخسائر السابقة، يصبح هذا الخبير أكثر سرعة ودقة في أداء عمله. فالذكاء الاصطناعي يُستخدم للإعداد، بينما يبقى القرار النهائي بيد خبير تسوية المطالبات.

الحد من التحيز الخوارزمي وتعزيز العدالة

يرث النموذج المدرب على البيانات التاريخية الأنماط الموجودة في تلك البيانات؛ بما في ذلك أي أنماط تعبر عن ممارسات اكتتاب تأميني سابقة قد تعتبرها الجهات التنظيمية اليوم تمييزية. يمكن كذلك للنماذج المغلقة (الصندوق الأسود) غير القابلة للتفسير أن تنتج قرارات تسعير أو تغطية تؤثر سلبًا في فئات مكفول حمايتها بطرق يصعب اكتشافها دون عمليات تدقيق متعمدة ومنهجية، وفي الوقت نفسه، تواصل الجهات التنظيمية على مستوى الولاية أو الحكومة تطوير القواعد التي تُمكّنها من مساءلة شركات التأمين عن هذه الممارسات. ولهذا تكون شركات التأمين التي تفرض القابلية للتدقيق منذ البداية في وضع أفضل من تلك التي تحاول إضافتها لاحقًا إلى نماذج دخلت بالفعل مرحلة الإنتاج الفعلي دون وجودها.

حماية جودة البيانات وأمنها

لا يمكن اعتبار نموذج الذكاء الاصطناعي موثوقًا إلا بقدر موثوقية البيانات التي يعمل عليها. فالمدخلات المجزأة أو غير متسقة التنسيق تؤدي إلى مخرجات تبدو جديرة بالثقة، لكنها في الواقع تظهر فيها الفجوات الموجودة في السجلات الأساسية. وفي مسارات العمل الذاتية، قد تؤدي هذه المخرجات إلى إطلاق إجراءات مؤتمتة في المراحل اللاحقة. فالبيانات الرديئة لا تصدر مجرد رسالة خطأ، بل قد تنتج قرارًا خاطئًا يبدو جديرًا بالثقة. وفي المطالبات يعني ذلك صرف تعويض غير صحيح، بينما قد يؤدي في الاكتتاب التأميني إلى إصدار وثيقة بتسعير خطأ ولا تنكشف إلا عند وقوع الخسارة.

يضيف الأمن السيبراني بُعدًا آخر؛ فبيانات التأمين -بما في ذلك السجلات الطبية والسجلات المالية والمُعرّفات الشخصية- من أكثر أنواع البيانات التي تتعامل معها المؤسسات حساسية. وعندما تجمع أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه البيانات وتعالجها عبر عدة أنظمة أساسية، فإنها توسع نطاق التعرض للهجمات التي يتعين على فرق الأمن السيبراني إدارتها.

ولهذا فأطر الحوكمة التي تحدد مسارات انتقال البيانات، والجهات المسموح لها بالوصول إليها، وكيفية تسجيل كل إجراء تتخذه برامج الوكلاء بنية أساسية لا غنى عنها، وليست عنصرًا يمكن إضافته في مرحلة لاحقة.

استراتيجية الذكاء الاصطناعي الذاتي: تطبيق الذكاء الاصطناعي من خلال التنسيق الذاتي

تحقق القدرات الفردية للذكاء الاصطناعي قيمًا كل منها منفصل عن الآخر. لكن في قطاع يمكن أن تمر فيه مطالبة واحدة عبر عشرات الأنظمة وعلى مدى عدة أسابيع، فإن ربط مخرجات الذكاء الاصطناعي يدويًا -مثل إعادة إدخال البيانات بين الأنظمة أو تصعيد الاستثناءات دون وجود مسار ومنظم- يعني أن العملية لا تزال تعتمد في جوهرها على التنسيق البشري.

تملأ الأتمتة الذاتية للعمليات (APA) هذه الفجوة من خلال التنسيق بين التحليل الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي والأتمتة الحتمية والإشراف البشري ضمن مسار عمل موحد وخاضع للحوكمة، يستطيع بدء العمليات وتنفيذها ومعالجة الاستثناءات وتوثيق القرارات دون الحاجة إلى تدخل بشري لإدارة كل عملية تسليم وتسلم.

كيف يعزز الذكاء الاصطناعي التوليدي الذكاء التشغيلي

تحقق تطبيقات الذكاء الاصطناعي الفردية قيمة عند استخدامها بصورة منفصلة. لكن في قطاع قد تمر فيه المطالبة الواحدة عبر عشرات الأنظمة المختلفة، فإن الربط اليدوي بين المخرجات يعني أن العملية لا تزال تعتمد على التنسيق البشري. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي الذاتي، وتحديدًا الأتمتة الذاتية للعمليات، لسدّ هذه الفجوة من خلال التنسيق بين الذكاء الاصطناعي التوليدي والأتمتة الحتمية والإشراف البشري.

ففي منصة للأتمتة الذاتية تربط العمل عبر الأنظمة المختلفة وتحافظ على استمرارية العمليات المعقدة، يتولى الذكاء الاصطناعي التوليدي تفسير المعلومات وتلخيص السياق وتحليل المدخلات غير المنظمة ودعم عملية اتخاذ القرارات. فعندما تصل مطالبة معقدة، يجمع الذكاء الاصطناعي التوليدي المعلومات ذات الصلة، ويحدد العناصر المفقودة أو غير المتسقة.

مع ذلك، فالعنصر الذي ينقل هذه المطالبة بين الأنظمة المختلفة ويحافظ على حالتها طوال الأسابيع اللازمة لمعالجتها ليس الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده، بل طبقة التنسيق وتحليل العمليات. فالذكاء الاصطناعي التوليدي يوفر التفسير عند كل نقطة لاتخاذ القرار، بينما تتولى المنصة ترتيب تسلسل الخطوات وإدارة الاستثناءات وضمان استمرار سير العمل. وهذا الفصل بين الأدوار هو ما يتيح لشركات التأمين إدارة المطالبات طويلة الأمد وعمليات الاكتتاب التأميني باعتبارها عمليات خاضعة للحوكمة وشاملة من البداية إلى النهاية، بدلًا من أن تكون مجرد سلسلة من مهام الذكاء الاصطناعي المنفصلة.

ولضمان التحسين المستمر، تحتاج شركات التأمين إلى دمج حلقات التغذية الملاحظات داخل البنية التقنية نفسها. فعندما يصحح عنصر بشري مخرجًا معينًا -مثل تعديل خبير تسوية المطالبات قرار توجيه حالة ما، أو مراجعة مسؤول الاكتتاب درجة تقييم مخاطر معيّنة- يُسجل هذا التصحيح وتُغذَّى به دورة إعادة التدريب أو الضبط التالية؛ ما يؤدي إلى تحسين دقة عمليات الاكتتاب التأميني وأتمتة المطالبات. وتتحقق المكاسب الحقيقية من هذه الحلقة الخاضعة للحوكمة، لا من قيام النموذج بتعديل نفسه ذاتيًا أثناء الإنتاج الفعلي.

التعامل مع جودة البيانات والحوكمة في مسارات العمل الذاتية

عندما تستخدم برامج وكلاء الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين لاستخراج تفاصيل وثائق التأمين وسجل المطالبات وبيانات الجهات الخارجية من أنظمة قديمة منفصلة وغير مترابطة، فإن أي تضارب في أي من مصادر البيانات قد ينتقل إلى جميع الإجراءات اللاحقة التي تعتمد عليه. فإخفاقات جودة البيانات داخل مسارات العمل الذاتية لا تبقى محصورة في مكانها، بل تتحول إلى إجراءات تنفيذية.

ولهذا فأحد المتطلبات الأساسية في إنشاء سجل مرجعي موحد (Golden Record)، أي مصدر موثوق وموحد لبيانات وثائق التأمين والمطالبات ترجع إليه برامج الوكلاء قبل اتخاذ أي إجراء. ويتطلب الحفاظ على هذا السجل حوكمة مدروسة تشمل:

  • معالجة تعارضات مصادر البيانات: توثيق نظام السجلات الذي يتولى المسؤولية عن كل نوع بيانات، مثل اعتماد شروط وثائق التأمين من نظام إدارة الوثائق التأمينية (PAS) وسجل الخسائر من نظام المطالبات وحالة الفوترة من محرّك الفوترة.
  • التحقق قبل التنفيذ: تشغيل قواعد التحقق من البيانات قبل تنفيذ أي إجراء بواسطة برامج الوكلاء لاكتشاف التناقضات قبل انتشارها.
  • تتبع مصدر البيانات: الاحتفاظ بسجلات توضح منشأ كل عنصر بيانات بحيث يمكن إعادة بناء القرارات وتدقيقها.
  • مراقبة الانحرافات: تنفيذ عمليات مطابقة لاكتشاف الاختلافات بين الأنظمة القديمة قبل أن تؤثر في مخرجات برامج الوكلاء.
  • حوكمة بيانات الجهات الخارجية: تحتاج مصادر البيانات الخارجية -مثل السجلات الائتمانية والبيانات الطبية وبيانات القياس عن بُعد- إلى طبقة التحقق الخاصة بها قبل تغذية القرارات المؤتمتة بها.

يمتد ذلك أيضًا إلى المساءلة عن القرارات. فالجهات التنظيمية تتوقع من شركات التأمين القدرة على تفسير القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لا مجرد القدرة على تسجيلها. ويستلزم ذلك توفير سجلات تدقيق تفصيلية تسمح بإعادة بناء الأسباب التي دفعت برنامج الوكيل إلى اتخاذ إجراء معين، وتحديد حدود للثقة تستدعي المراجعة البشرية قبل تنفيذ القرارات المهمة، ووضع آليات إشراف من المسؤول عن مراجعة تحليلات برامج الوكلاء وعدد مرات إجراء هذه المراجعات.

هذه القرارات قرارات حوكمة تعبر عن مدى قدرة المؤسسة على تحمل المخاطر وعرضتها لمخاطر الامتثال، وليست أمورًا يمكن لأي مورّد إعدادها نيابةً عنها.

مستقبل الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين

يتطلب استشراف مستقبل قطاع التأمين التحوُّل من مرحلة التجريب إلى مرحلة التنفيذ المنضبط. وفيما يلي أهم الخطوات التي تساعد قادة قطاع التأمين على توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي بنجاح:

  • إعطاء الأولوية للحوكمة والشفافية: مع تزايد إشراف الهيئة الوطنية للجهات التنظيمية ومفوّضي التأمين، أصبح من الضروري أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي قابلة للتدقيق. فكل قرار يجب أن يكون مدعومًا بمسار واضح يضمن الامتثال ويحدّ من التحيز الخوارزمي.
  • التركيز على إنتاجية الموظفين: ينبغي تحويل استراتيجية إدارة المواهب من زيادة أعداد الموظفين إلى التركيز على رفع الإنتاجية. فمن خلال أتمتة الأعمال الروتينية وعمليات الفرز الأولية المتعلقة بالوثائق، يتيح الذكاء الاصطناعي للكوادر المتخصصة التركيز على القرارات التقديرية عالية القيمة وتقييم المخاطر المعقدة.
  • إتقان إدارة جودة البيانات: يعتمد النجاح على جودة البيانات. ولذلك يتعين على شركات التأمين إنشاء "سجل مرجعي موحد" لبيانات العملاء، بما يمنع الذكاء الاصطناعي من تنفيذ إجراءات مؤتمتة غير صحيحة استنادًا إلى بيانات مجزأة أو قديمة.

توسيع نطاق تبنّي الذكاء الاصطناعي مع Automation Anywhere

تنظر العقلية التحليلية إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مصدرًا لرؤى أفضل، بينما تنظر إليه العقلية التنفيذية باعتباره مصدرًا لإتمام العمل فعليًا. فشركات التأمين التي لا تزال تعمل وفق النهج التحليلي تحصل على توصيات أكثر ذكاءً تعمل عليها الكوادر البشرية يدويًا. أما شركات التأمين التي نجحت في إحداث هذا التحول، فتدير مسارات عمل متكاملة من البداية إلى النهاية، تصبح فيها الرؤية التي يقدمها الذكاء الاصطناعي والإجراء الذي ينفذه النظام حدثًا واحدًا.

توفر منصة الأتمتة الذاتية للعمليات من Automation Anywhere طبقة التنسيق التي تجعل ذلك ممكنًا، من خلال بيئة موحدة يتم فيها التنسيق بين برامج وكلاء الذكاء الاصطناعي وروبوتات الأتمتة الروبوتية للعمليات (RPA) ومسارات عمل الوثائق واستدعاءات واجهات برمجة التطبيقات (APIs) ضمن عمليات موحدة وخاضعة للحوكمة، تمتد على مستوى جميع الأنظمة التأمينية الأساسية عبر مختلف البيئات.

كذلك تأتي عناصر الحوكمة -مثل ضوابط الوصول وسجلات التدقيق ونقاط التدخل البشري وفرض السياسات- مدمجة مباشرةً في بيئة عمل التنسيق، بحيث تُطبق بصورة متسقة على كل مكون من مكونات العمليات.

والنتيجة ذكاء اصطناعي قادر على إكمال العملية بالكامل -بدءًا من الإخطار الأولي بالخسارة (FNOL) وحتى صرف التعويض، ومن استلام الطلب وحتى إصدار الوثيقة- ضمن إطار يلبي متطلبات الجهات التنظيمية والمدققين، ويتيح التوسع دون الحاجة إلى استبدال الأنظمة الحالية. حدّد موعدًا لعرض توضيحي مباشر للتعرف على آلية عمل ذلك.

الأسئلة الشائعة

ما الخطوة الأولى لتطبيق الذكاء الاصطناعي في شركة تأمين متوسطة الحجم؟

ابدأ بمسارات العمل كبيرة الحجم ومنخفضة التعقيد، مثل استقبال الإخطار الأولي بالخسارة (FNOL) أو التحقق من الوثائق أو طلبات ملحقات وثيقة التأمين. فهذه المسارات تحقق عائدًا سريعًا على الاستثمار يمكن قياسه، وتبني الثقة داخل المؤسسة، وتوفر أساس الأتمتة الذي تحتاجه مسارات العمل الذاتية للعمل على نطاق واسع.

كيف يحسن الذكاء الاصطناعي التوليدي تجربة العملاء في قطاع التأمين؟

يقلل الذكاء الاصطناعي التوليدي أزمنة الاستجابة من خلال إنشاء شروحات دقيقة ومخصصة لوثائق التأمين آنيًا، ما يتيح للعملاء الحصول على إجابات مباشرة بلغة واضحة بدلًا من الردود العامة أو فترات الانتظار الطويلة. ويمكنه أيضًا الرد على الاستفسارات المعقدة حول التغطية وتفاصيل ملحقات التأمين وحالة المطالبات فورًا، ما يعزز رضا العملاء عند نقاط التفاعل الأكثر تأثيرًا في الاحتفاظ بهم.

لماذا تُعدّ جودة البيانات أكثر أهمية للذكاء الاصطناعي مقارنةً بالأتمتة الروبوتية للعمليات؟

تعتمد الأتمتة الروبوتية للعمليات (RPA) على قواعد محددة مسبقًا، ولذلك تؤدي البيانات الخطأ إلى حدوث خطأ. أما الذكاء الاصطناعي فيتخذ قراراته استنادًا إلى الأنماط، ولذلك قد تؤدي البيانات الخطأ إلى مخرجات تبدو جديرة بالثقة إلا أنها غير صحيحة. وفي مسارات العمل الذاتية، قد تتسبب هذه المخرجات في إطلاق سلسلة من الإجراءات اللاحقة غير الصحيحة في صرف المدفوعات أو رفض المطالبات أو اتخاذ قرارات التوجيه.

كيف يمكن تحقيق التوازن بين تبني الذكاء الاصطناعي والامتثال للمتطلبات التنظيمية؟

يجب تضمين الامتثال منذ البداية. فإعداد سجلات التدقيق ووثائق القابلية للتفسير ونقاط التدخل البشري منذ مرحلة النشر، يمكّن شركات التأمين من توضيح كيفية اتخاذ القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي ومراجعتها أمام الجهات التنظيمية.

ما الأدوات الأساسية للذكاء الاصطناعي في أتمتة المطالبات؟

تتطلب أتمتة المطالبات معالجة اللغة الطبيعية (NLP) لاستخراج البيانات من الوثائق، والرؤية الحاسوبية لتقييم الأضرار، ومنصة تنسيق تربط هذه القدرات بالأنظمة الأساسية للمطالبات وتوجّه الاستثناءات ضمن إطار حوكمة مدمج. ونادرًا ما يكون النموذج هو سبب التعثر، بل طبقة التنفيذ.

user image

Emily Gal

نبذة عن إميلي غال إميلي مديرة تسويق المنتجات في قسم الأتمتة الذاتية للعمليات في Automation Anywhere

مقالات ذات صلة

منشورات المؤلف الأخيرة

تجربة Automation Anywhere
Close

للأعمال

تسجيل الاشتراك للحصول على وصول سريع إلى العرض التوضيحي الكامل والمخصص للمنتج

للطلاب والمطورين

ابدأ التشغيل الآلي على الفور بفضل الوصول المجاني إلى التشغيل الآلي الكامل الميزات من خلال Community Edition على السحابة.